وهلّأ لوين؟

ما لفت انتباهي أن الأفلام اليوم قلّما تنتهي بكلمة "النهاية". ربما لأن صانعي الأفلام أدركو أن النهايات لم تكن يوماً إلا في الأفلام. وربما لأن القصص باتت تعكس واقعنا أكثر، خشية من أن يكون المشاهد قد ملّ من "كليشيه" القصص التي تنتهي بقبلة. إذا كان هدف المخرجة الخروج عن الكليشيه، فقد نجحت. فيلم بدايته في المقابر ونهايته في المقابر. من دون قبل، كما أراد عبد الوهاب.

 

أنا لست بناقدة سينمائية، ولا أريد أن أجهد قاموسي لفلسفة ما رأيته في فيلم نادين لبكي من تقنيات وفنون، فهذا ليس هدفي من المقال، إذا كان هناك هدف. ببساطة، فيلم أحببت فيه الأمل بمجتمع تكون فيه على الأقل فئة واحدة قادرة على حل الأزمات. أحببت فيه الإطلالة المفاجئة لأحد زملائي في الدراسة. أحببت فيه اليأس الذي يعيشه البعض في لبنان عندما يرون الطائفية تتفشى من جديد كما لو أن الحرب الأهلية لم تكن يوماً. نعم، فقط البعض يشعرون باليأس، فالبعض الآخر مشغول بالشعور بالحقد والرغبة بالثأر "من مين؟ عشو؟"، لا أحد يعرف.

 

لم أحب فيه واقع أن العيش المشترك يمكن تحقيقه بهزة خصر. المشكلة ليست في الفيلم، بل في الواقع بحد ذاته. فمنذ بضعة أعوام، راجت موضة المفاخرة اللبنانية بال"نايت لايف". فاللبناني "عييش"، لو كانت الانفجارات كل ساعة، فهو مستعد أن يخرج ليحيي السهرة مع أصدقائه. المشكلة ليست السهر. المشكلة أن اللبناني بات يستخدم مقياس السهر كدليل (لنفسه، أو للعالم، لا أدري) بأن البلد بألف خير. المشكلة أنه بات يعد المقاهي معالم لبنان السياحية. فنسينا بعلبك، وجعيتا، وفقرا وغيرها. وعندما يطالب أحدهم بالتغيير في لبنان، يأتي اللبناني السهير ليقنع المحتجين بأنه لا جدوى من "وجع الرأس" وأنه من الأفيد التوجه إلى السهرة، لتغيير الجو! ففي السهرة، يقال أن اللبنانيين متحدون، ينسون طوائفهم وأحزابهم، ويستمتعون بالموسيقى. إلى أن، طبعاً، تصدح أغنية "يا سيف" حيث يتبارز الحاضرون بشعارات أحزاب سياسية مختلفة قد ينتمون إليها، وقد لا ينتمون، لكن يرفعونها في جميع الأحوال، من وحي الفولكور.

 

عن هذا الواقع تحدث فيلم نادين لبكي، عن مجتمع يتشقلب بين العيش المشترك والصراع الطائفي. عن هذا الخط الرفيع الذي يستعد الشعب لقطعه بأي لحظة لأي سبب. عن واقع أن 17 نيسان لم يعد يعني الكثير. فمن عانوا من الحرب الأهلية إما ماتوا، أو هاجروا، أو يريدون أن ينسوا. فبات الجيل الجديد يعتقد أنها ليست سوى قصة سمعوها في صغرهم.

 

من زحامي اليومي، 17 نيسان هو كل ما بقي اليوم، قصة أرويها لنفسي كي لا أنام.. كي لا أنسى.

Comments or opinions expressed on this blog are those of the individual contributors only, and do not necessarily represent the views of FRANCE 24. The content on this blog is provided on an "as-is" basis. FRANCE 24 is not liable for any damages whatsoever arising out of the content or use of this blog.
2 Comments
شكراً أنا أوافقك بأن الفيلم فيه مجموعة من الكليشهات، لذلك أعتذر عن إغفال المقاربة بنهايات القبلة. فما قصدته أنه خرج عن هذه الكليشيه بالذات وليس عن الكليشيه بشكل عام.
لا اوافق الكاتبة في شأن الكليشهات فالفيلم غارق فيها. لكنني سعيد بالزاوية التي نظرت منها الى هذا الفيلم. في انتظار المزيد

Post new comment

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • No HTML tags allowed

More information about formatting options

CAPTCHA
This question is for testing whether you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.